عبد الله الأنصاري الهروي
4
منازل السائرين ( شرح القاساني )
كان عليه أن يطهّر نفسه عن جميع الأخباث والأوساخ ، حتّى يتمكّن من الوصول إلى الحضرة المطهّرة وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها * [ 91 / 7 - 10 ] . والكتاب العزيز والسنّة الشريفة قد تكفّلا في مختلف وجهاتهما ببيان عوامل تهذيب النفس وأساليبه المختلفة ، وحذّرا عن إهمال الإنسان نفسه ، المؤدّي إلى إضاعتها وخسرانها . وهذا قطب يدور عليه التفكير الأخلاقيّ الإسلامي والمجتمع الدينيّ ، ولذلك اهتمّ به علماء هذا الفنّ ، وأكثروا فيه الخطابة والتأليف والتصنيف ، منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا . فمنهم من جعل مدار بحثه الأعمال والملكات ، وبيان ما هو حسن منها أو قبيح ، أو محمود أو مذموم ؛ وذلك مفاد كثير من بيانات الكتاب والسنّة ، وشأن كثير من كتب الأخلاق القديمة والحديثة . ومنهم من جعل بحثه خاصّا بالطريق المسلوك ، فأخذ يبحث عن ابتدائه ومنازله ونهاياته ، وما يعين الإنسان فيه أو يعوّق سيره . وهذا طريق أدقّ وأحسن وأنفع للخواصّ ، وإن كان الأوّل أعمّ نفعا وأكثر شمولا للناس ؛ وعند التأمّل نرى أنّ كلا طريقي البحث متواجدان في الكتاب والسنّة ، وإن كان الأوّل أكثر وأوضح وأمثلته كثيرة ؛ حتّى يمكننا أن ندّعي أنّه قلّما توجد آية أو حديث غير مشتمل على بيان ما يحسن الإنسان عاقبة أو يسيئها . والطريق الثاني ، وإن لم تكن أمثلته بتلك الكثرة والوضوح ، ولكنّه مأخوذا أيضا من الكتاب والسنّة : فالكتاب العزيز يشرح مبدء الإنسان ومسيره حيث يقول : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ [ 23 / 12 - 16 ] .